رجل من زمن الكنوز
بقلم : هدى الحراصية
يضع سريرًا في فناء المنزل (الحوش) كنت أجده مستلقيًا عليه في أغلب الأوقات، أمامه دلة القهوة وعلبة تمر فتلك الدلة رفيقة ساعات يومه المحبوبة، يتهلل وجهه عندما يراني، ويستقبلني بفرح وابتسامة جميلة ورغم التجاعيد التي كست مساحات ذلك الوجه إلا أن تلك الابتسامة كانت تبدو ساحرة أخَّاذه في كل مره، كنت أحبها وأحب حديثه الممتع الذي يشعرني أنني أتصل بذلك الزمن الجميل.
له طريقة مميزة في كل شيء بدءًا بطريقة عيشه وطقوس حياته وحتى كلماته كلها تتفق أنها من زمن لم يعد له وجود، زمن كان لكل شي فيه نظام وقانون حتى الحديث مع الأشخاص يكون ضمن نظام وقاعدة، فمثلًا طريقته في الاستقبال تقليدية، قد احتفظ بكل العادات الجميلة إلى آخر لحظات حياته، لم يتغير ولم يجدده الزمن بقى قديمًا كما هو، من أهم عاداته عند استقبال أي زائر كانت (المناشده) وهو سؤال عن أخبار الشخص وأخبار من مر بهم، وكان يبدأها معي لينتقل سريعًا إلى معاتبتي بسبب زياراتي القليلة، أجلس معه طويلًا أستمتع بحديثه عن المزرعة ومواسم زراعتها، والنخيل وطقوس الاهتمام بها، والفلج ومواعيده الغريبة بمصطلحاتها المعقدة، كانت أحاديثه تحملني إلى داخل قصة من قصص الجدات.
عند زيارتي إلى منزل جدي شديد القدم كصاحبه، أعود منه كزائر حملته آلة الزمن إلى عصور متناهية القدم، أعود حاملة في روحي شئ من نقاء تلك السنوات ببساطتها وعفويتها وروحها التي بقيت في جيل عاصر الحياة الاجتماعية الجميلة واستعان بها وبألفتها على صعوبات العيش في ذاك الزمن، وبقيت الأنفس تحمل روعة الزمن الذي عاشت فيه، كان متمسكًا ببساطة حياته كنوع من التمسك بزمن أحبه وامتنع عن تجاوز سنواته.
جميلة تلك الأرواح، أكثروا من الجلوس مع النماذج المماثلة فلم يبق منها إلا القليل، فالمتعة بمصاحبتها لا حد لها والفائدة عظيمة هذه الأرواح كنوز بقيت تحت أنقاض زمن اختفى لم يعلم بوجودها إلا القليل ممن استطاع الاستماع والإصغاء إلى صوت الكون العميق وتفكر بهدوء في روعة همساته.
رحم الله أرواحًا عاشت بنقاء الحياة وحملت معها كل جميل .
